الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
57
سبك المقال لفك العقال
ائتمنك على سر من أسراره فأذعته فأذاقك طعم الحديد ، فقال منشدا « 1 » : تجاسرت فكاشفتك * لما غلب الصبر وما أحسن من مثلك * أن ينهتك الستر إذا عنفني الناس * ففي وجهك لي عذر لأن البدر محتاج * إلى وجهك يا بدر ثم قال لها : أمضي إلى الشبلي ، وقولي له : واللّه ما أذعت له سرا ؛ فإن كان ذلك كذلك ، أحرى أن تكون محن الفضلاء عقوبة لهم في دار الدنيا . فقالت يا سيدي : ما التصوف ؟ « 2 » . فقال : ما أنا عليه واللّه ما فرّقت بين نعمه وبلائه ساعة قط « 3 » .
--> ( 1 ) من بحر الهزج . والأبيات منسوبة للحلاج ، وهي للحسين بن الضحاك الخليع من أعلام القرن الثالث الهجري - كما ذكر ذلك المستشرق ماسينيون ، وقد أثبتها الدكتور كامل مصطفى الشيبي على هذا النحو : أيا من طرفه سحر * ويا من ريقه خمر تجاسرت فكاشفت * ك لمّا غلب الصبر وما أحسن في مثل * ك أن ينهتك الستر وإن لامني النا * س ففي وجهك لي عذر لأن البدر محتا * ج إلى وجهك يا بدر ( 2 ) جاء في أخبار الحلاج خبر آخر « وعن أبي بكر الشبلي قال : قصدت الحلاج ، وقد قطعت يداه ورجلاه ، وصلب على جذع فقلت له : ما التصوف ؟ فقال : أهون مرقاة منه ما ترى ، قلت له : ما أعلاه ؟ فقال : ليس لك إليه سبيل ، ولكن سترى غدا فإن الغيب ما شهدته وغاب عنك . فلما كان وقت العشاء جاء الإذن من الخليفة أن تضرب رقبته ، فقال الحرس قد أمسينا نؤخر إلى الغد ؛ فلما كان من الغد أنزل من الجذع ، وقدم لتضرب عنقه فقال بأعلى صوته : حسب الواجد أفراد الواحد له . ثم قرأ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [ الشورى : 18 ] ، وقيل هذا آخر شيء سمع منه ، ثم ضربت عنقه ، ولف في بارية ، وصبّ عليه النفط وأحرق وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه » ، أخبار الحلاج : 36 . ( 3 ) عرف التصوف بتعريفات كثيرة ومختلفة ، وربما كان هذا التعريف الذي قاله الحلاج مندرجا فيها ، ومنها أنه التسليم والخضوع المطلقين لقضاء اللّه في كل الأحوال ، وصفاء الظاهر والباطن له ، وهو ما عبّر عنه أحدهم بقوله : ليس التصوف بالفوط * من قال ذاك فقد غلط إن التصوف يا فتى * صفو الفؤاد عن الشطط راجع : المعجم الصوفي .